الجصاص
318
أحكام القرآن
ابن عمر أتى على رجل قد أناخ راحلته فنحرها وهي باركة ، فقال : " انحرها قياما مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم " . وروى أيمن بن نابل عن طاوس في قوله تعالى : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) " قياما " . وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال : من قرأ : " صواف " فهي قائمة مضمومة يداها ، ومن قرأ : " صوافن " قيام معقولة . وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال : قرأها " صوافن " قال : " معقولة ، يقول : بسم الله والله أكبر " . وروى الأعمش عن أبي الضحى قال : سمعت ابن عباس وسئل عن هذه الآية صواف قال : " قياما معقولة " . وروى جويبر عن الضحاك قال : كان ابن مسعود يقرأها : " صوافن " وصوافن أن يعقل إحدى يديهما فتقول على ثلاث . وروى قتادة عن الحسن أنه قرأها : " صوافي " قال : " خالصة من الشرك " . وعن ابن عمر وعروة بن الزبير : " أنها تنحر مستقبلة القبلة " . قال أبو بكر : حصلت قراءة السلف لذلك على ثلاثة أنحاء ، أحدها : " صواف " بمعنى مصطفة قياما ، و " صوافي " بمعنى خالصة لله تعالى ، و " صوافن " بمعنى معقلة في قيامها . قوله تعالى : ( فإذا وجبت جنوبها ) ، روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم : " إذا سقطت " . وقال أهل اللغة : الوجوب هو السقوط ، ومنه : وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب ، قال قيس بن الخطيم : أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم * عن السلم حتى كان أول واجب يعني : أول مقتول ، سقط على الأرض . وكذلك البدن إذا نحرت قياما سقطت لجنوبها ، وهذا يدل على أنه قد أراد بقوله : " صواف " قياما ، لأنها إذا كانت باركة لا يقال إنها تسقط إلا بالإضافة فيقال سقطت لجنوبها ، وإذا كانت قائمة ثم نحرت فلا محالة يطلق عليها اسم السقوط ، وقد يقال للباركة إذا ماتت فانقلبت على الجنب إنها سقطت لجنبها ، فاللفظ محتمل للأمرين ، إلا أن أظهرهما أن تكون قائمة فتسقط لجنبها عند النحر . وقوله تعالى : ( فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ) يدل على أنه قد أريد بوجوبها لجنوبها موتها ، فهذا يدل على أنه ليس المراد سقوطها فحسب وأنه إنما أراد سقوطها للموت فجعل وجوبها عبارة عن الموت ، وهذا يدل على أنه لا يجوز الأكل منها إلا بعد موتها ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميتة " . وقوله تعالى : ( فكلوا منها ) يقتضي إيجاب الأكل منها ، إلا أن أهل العلم متفقون على أن الأكل منها غير واجب ، وجائز أن يكون مستحبا مندوبا إليه ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من البدن التي ساقها في حجة الوداع ، وكان لا يأكل يوم الأضحى حتى